Recent Posts

سجل الزوار

مؤسسة محمد السادس للتربية والتكوين

العولمة : المفهوم و الخصائص الجوهرية ، جدل مفتوح ( الجزء الأول ) .

بواسطة الأستاذ حميد هيمة بتاريخ الاثنين، 24 أغسطس، 2009 | 8/24/2009 04:57:00 ص

إعداد : حميد هيمة . كاتب بموقع الحوار المتمدن .

على سبيل التقديم :
تشير بعض الدراسات التاريخية إلى أن العولمة ليست وليدة اليوم ، وليست أيضا وليدة النظام الرأسمالي . وللبرهنة على هذا الطرح، يلاحظ المدافعون عنه: أن العلاقات البشرية، منذ تيسرت سبل وأدوات الاتصال، تميزت بالهيمنة والسيطرة التي تفرضها الأمم القوية على الأمم الضعيفة. فخلال التاريخ القديم ، مثلا ، سيطرت الإمبراطورية الرومانية على العالم القديم (،،، ) . وفرضت قيمها الثقافية على الشعوب الخاضعة في إطار ما يمكن أن نسميه برومنة العالم (،،، ). إن انهيار الإمبراطورية الرومانية في سنة( 476 م )، وبالتالي الاندراج في الحقبة الوسيطية ، بحسب التقويم الأوربي الثلاثي ، التي ستتميز بظهور قوى جديدة في العالم المتوسطي ، نقصد الإمبراطورية العربية المسنودة بالإسلام . والتي ستعمل ، كنظيرتها الرومانية ، على أسلمة العالم ،،، الخ.لكن ما تقاسيم وجه العولمة الراهنة ؟

تأطير إشكالي :
ما العولمة ؟ وما عولمة الثقافة ؟ وما ثقافة العولمة ؟ وما هي تجليات ثقافة العولمة ؟ وكيف يهدد التيار الجارف للعولمة الهويات الثقافية الوطنية – القطرية و القومية ؟ وحتى لا نكتفي فقط بالبكاء على الأطلال ، نطرح السؤال النضالي : ما هي المداخل الممكنة لمواجهة العولمة ؟ وما مهام القوى الديمقراطية و التقدمية في ذلك ؟ أعتقد أن بناء و بلورة مواقف ممانعة للعولمة ، يجب أن تتأسس/ تنطلق من فهم عميق لأسباب و مراحل تطور النظام الرأسمالي وموقع العولمة في ذلك .

تأطير منهجي :
للإجابة على هذه الأسئلة ، أو على الأقل لتوفير عناصر الإجابة ، سنعمل على مفصلة هذا الموضوع إلى المحاور التالية : 1- شرح المفاهيم المهيكلة للموضوع . 2- تحديد العوامل المساعدة على إنتاج ثقافة العولمة و آليات انتشارها . 3 - رصد تجليات ثقافة العولمة في واقعنا المعيش . 4- مظاهر الاختراق الثقافي ومترتباته....الخ.

1- إضاءات مفهومية : العولمة ، جدل مفتوح .
- في مفهوم العولمة : العولمة في العربية ترجمة لكلمة ( Globalization) في الانجليزية وتقابلها ( Mondalization ) في اللغة الفرنسية .وتعود في أصلها الاشتقاقي العربي إلى كلمة العالم ، كما أننا نجد عدة مرادفات أخرى : الشوملة ، الكوكبة ، العالمية ،،، . ويمكن تركيز كل هذه التعاريف في أن العولمة : تعني تعميم الشيء ليصبح عالميا ، أو نقله من حيز الخصوصية إلى مجال العمومية في مستواها الكوني" . إنها " عملية تحول تستهدف تجاوز وضع الدولة القومية إلى عالم أكثر تداخلا وتفاعلا ترفع فيه كل الحواجز والقيود الوطنية – القومية أمام الحركة الجامحة للرأسمال والسلع والأفكار والثقافات المهيمنة . انبثقت العولمة في مطلع تسعينيات القرن المنصرم ، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي و حالة التذرية التي تعرضت لها الأنظمة التي كانت تدور في فلكه ؛ و التي أفضت إلى انفتاح الأسواق " المغلقة " / الاشتراكيات الديمقراطية / الشعبية و اندماجها في " عالم جديد " تقوده الولايات المتحدة الأمريكية . تميز هذا " العالم الجديد " بالدور المتنامي الذي تلعبه الشركات المتعددة الجنسية / فوق قومية المتربعة على عرش الاقتصاد العالمي ، و المسنودة بالمنظمات الموازية / الداعمة لنظام العولمة : منظمة التجارة العالمية ، المؤسسات المالية الكبرى ( صندوق النقد العالمي – البنك العالمي ،،، الخ .).إن اقتصار تعريف العولمة على و جهها الاقتصادي يخفي أبعادها الشمولية الأخرى . فإذا كانت العولمة ، في المجال الاقتصادي ، تعني عولمة – تداخل الأسواق و هيمنة الشركات العابرة للأوطان على ثروات و خيرات الشعوب المقهورة ؛ فإنها على المستوى الجغرافي ، تعني تقليص الزمن و المسافات و المكان ( قرية صغيرة ). وعلى الصعيد الثقافي ، تسييد الثقافة الغربية على العالم في شكل غزو / استعمار ثقافي يفضي إلى تنميط القيم الإنسانية ، و قولبتها وفق الثقافة الرأسمالية الغربية .لكن ، يطرح سؤال جوهري بهذا الصدد : كيف تطورت العولمة إلى الآن وبهذا الشكل ؟ نعتقد أن المنهج التاريخي ، يمكن أن يسعفنا في ضبط التمرحلات الكبرى للعولمة .تشير بعض الدراسات التاريخية إلى أن العولمة ليست وليدة اليوم ، وليست أيضا وليدة النظام الرأسمالي . وللبرهنة على هذا الطرح، يلاحظ المدافعون عنه: أن العلاقات البشرية، منذ تيسرت سبل وأدوات الاتصال، تميزت بالهيمنة والسيطرة التي تفرضها الأمم القوية على الأمم الضعيفة. فخلال التاريخ القديم ، مثلا ، سيطرت الإمبراطورية الرومانية على العالم القديم . وتعددت جوانب هذه السيطرة، فعلى المستوى السياسي أخضعت الإمبراطورية الرومانية شعوب كثيرة وفرضت عليها قوانينها،،، الخ. كما سيطرت على خيرات الشعوب المحتلة ونهبت ثرواتها . بل وفرضت قيمها الثقافية على الشعوب الخاضعة في إطار ما يمكن أن نسميه برومنة العالم . ولم تخل هذه المرحلة من أشكال المقاومة والممانعة لمشروع رومنة العالم القديم الخاضع لسلطة روما . إن انهيار الإمبراطورية الرومانية في سنة 476م ، وبالتالي الاندراج في الحقبة الوسيطية ، بحسب التقويم الأوربي الثلاثي ، التي ستتميز بظهور قوى جديدة في العالم المتوسطي ، نقصد الإمبراطورية العربية المسنودة بالإسلام . والتي ستعمل ، كنظيرتها الرومانية ، على أسلمة العالم ،،، الخ. و ترتيبا على ما سبق فإن العولمة " المعاصرة "، من الناحية التاريخية ، نظام اقتصادي وثقافي وسياسي ، ظهر في تسعينيات القرن المنصرم ؛ بعد تفكك الاتحاد السوفياتي سنة 1992 وانبثاق النظام العالمي الجديد . الذي يتسم بسيادة- هيمنة القطب الغربي على العالم وعلى مقدراته من لدن دول الثالوث العالمي تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية المنتشية بانتصارها على التجربة الاشتراكية المحققة كما مثلثها البيروقراطية السوفياتية . وإذا كان " لينين" قد توفق في الإمساك بالمفاصل والخصائص الكبرى التي طبعت النظام الرأسمالي خلال نهاية ق 19م ومطلع ق20م ؛ نقصد ظاهرة الإمبريالية ، فإن تنبؤاته ، في شأن اعتبار الامبريالية أعلى مراحل تطور الرأسمالية ، لم تعد تستوعب تفاصيل تطور النظام الرأسمالي في ظل النظام العالمي الجديد. وقد حاول العديد من المفكرين، على أرضية التحليل الماركسي المتجدد، إعادة استخلاص السمات المميزة للمرحلة الآنية للنظام الرأسمالي .

2-الخصائص الجوهرية المميزة للعولمة :
في هذا الإطار يمكن استحضار خلاصات منظري اليسار في شأن تحليل الخصائص التي تطبع ظاهرة العولمة : فقد أفرد منظرو اليسار العولمة بخمسة خصائص . حيث تتميز ، حسب فالح عبد الجبار كنموذج لهذا التيار، بخصائص بنيوية جديدة ، على الأصعدة الاقتصادية ، والسياسية ، والتنظيمية ، والاجتماعية ، والثقافية : إن الخاصية الأولى للاقتصاد المعولم أنه يقع خارج نطاق تحكم الدولة القومية ، وتستبد بقيادته الشركات المتعددة الجنسية- فوق قومية ؛ التي تفرض سطوتها ليس فقط في المجال الاقتصادي فحسب ، بل يتجاوز ذلك إلى المجالات الأخرى كما سنبين ذلك لاحقا.أما الخاصية الثانية ، أي الوجه السياسي في العولمة ، فتتحدد في تزايد السطوة الإدارية للنخب التكنوقراطية على حساب النخب السياسية ، التي لم يعد بوسعها التحكم في الاقتصاد المعولم .“ وهذا الوضع يطرح على بساط البحث قيمة ومعنى الانتخاب ...والتغيير، في إطار النظام السياسي – الحقوقي الحالي ؟ فهل وظيفة النخب السياسية ، في هكذا وضع ، شرعنة أهداف ومخططات النخب التكنوقراطية الدولية ؟ إذا كان الجواب – نعم ، فإننا نتساءل عن مظاهر السيادة الوطنية ، التي انفلتت قيادتها إلى يد الإمبراطوريات الاقتصادية – الشركات المتعددة الجنسية.وتتميز الخاصية الثالثة للعولمة ، أي الجانب الثقافي ، بالفرض القسري للثقافة الاستهلاكية الغربية على العالم . بفعل حركة السوق ، أو بفعل ثورة المعلوميات والاتصال . ويترتب عن هذا الهجوم الثقافي نزعات احتجاجية اتخذت منحى نكوصي / انغلاقي كما هو الحال بالنسبة للأصولية الدينية –الإسلاموية ؛ كنزعة هوياتية للخاسرين ، لأنها تفتقد لبرنامج واضح ، أو * تجتهد * للتلفيق بين تحديات الحاضر والنماذج الماضوية المحكومة بشروطها التاريخية و الحضارية و الجغرافية التي أفرزتها .إن العولمة ، ضمن المنظور التاريخي دائما ، هي عملية تاريخية ونتاج تراكم طويل في إطار النظام الرأسمالي . إنها الحلقة الأعلى من حلقات تطور الرأسمالية ذاتها ، وبأنها صيرورة من صيرورات إعادة إنتاج النظام الرأسمالي على صورة عولمة إنتاجية : العولمة ، حسب جلال العظم ، هي وصول نمط الإنتاج الرأسمالي ...إلى نقطة الانتقال من عالمية التبادل والتوزيع والسوق والتجارة والتداول ، إلى دائرة عالمية الإنتاج وإعادة الإنتاج . بعد أن سلطنا الضوء ، بشكل موجز ، عن مفهوم العولمة و عوامل انبثاقها و خواصها الجوهرية ، سننتقل في المحور الموالي لمقاربة الجدل المطروح في شأن التحديات التي تطرحها العولمة على البشرية : فهل العولمة تتيح إمكانيات جماعية للبشرية في العيش الكريم و الأمن و السلام ؟ أم أن العولمة ، باعتبارها حلقة من حلقات تطور النظام الرأسمالي ، لا تعني إلا عولمة / تعميم الحروب و أللاستقرار و الجوع و الأمراض و الفقر ؟

0 التعليقات: